ابن عجيبة
23
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يَشاءُ بعدله ؛ وهو من مات منهم على كفره ، فأنتم كسائر البشر يعاملكم معاملتهم ، لا مزية لكم عليهم ، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما كلها سواء في كونها ملكا وعبيدا اللّه - سبحانه - وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ، فيجازى المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته ، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقى . الإشارة : قوله تعالى : فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ أي : فلو كنتم أحباءه لما عذبكم ؛ لأن الحبيب لا يعذب حبيبه ، حكى عن الشبلي رضى اللّه عنه أنه كان إذا لبس ثوبا جديدا مزقه ، فأراد ابن مجاهد أن يعجزه بمحضر الوزير ، فقال له : أين تجد في العلم فساد ما ينتفع به ؟ فقال له الشبلي : أين في العلم : فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ « 1 » ؟ فسكت ، فقال له الشبلي : أنت مقرىء عند الناس ، فأين في القرآن : إن الحبيب لا يعذب حبيبه ؟ فسكت ابن مجاهد ، ثم قال : قل يا أبا بكر ، فقرأ له الشبلي قوله تعالى وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ، فقال ابن مجاهد : كأني واللّه ما سمعتها قط . ه . وفي الحديث : « إذا أحب اللّه عبدا لا يضرّه ذنب » ، ذكره في القوت . وفي المثل الشائع : ( من سبقت له العناية لا تضره الجناية ) . وفي الصحيح : « لعلّ اللّه اطّلع على أهل بدر فقال : افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم » « 2 » ، وسببه معلوم ، وفي القوت عن زيد بن أسلم : ( إن اللّه - عز وجل - ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول له : اصنع ما شئت فقد غفرت لك ) . وفي القصد للشيخ أبى الحسن الشاذلي - رضي اللّه عنه - قال : يبلغ الولي مبلغا يقال له : أصحبناك السلامة ، وأسقطنا عنك الملامة ، فاصنع ما شئت . ه . وليس معناه إباحة الذنوب ، ولكنه لمّا أحبه عصمه أو حفظه ، وإذا قضى عليه بشئ ألهمه التوبة ، وهي ماحية للذنوب ، وصاحبها محبوب ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ . واللّه تعالى أعلم . ثم دعاهم إلى اتباع رسوله - عليه الصلاة والسّلام ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 19 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 ) قلت : جملة ( يبين ) : حال ، أي : جاءكم رسولنا مبينا لكم ، و ( على فترة ) : متعلق بجاء ، أي : جاءكم على حين فترة وانقطاع من الوحي ، و ( أن تقولوا ) : مفعول من أجله ، أي : كراهية أن تقولوا . يقول الحق جل جلاله : يا أَهْلَ الْكِتابِ ؛ اليهود والنصارى قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم يُبَيِّنُ لَكُمْ ما اختلفتم فيه ، أو ما كتمتم من أوامر الدين ، أو مطلق البيان . جاءكم عَلى حين فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ
--> ( 1 ) من الآية 33 من سورة ( ص ) . ( 2 ) حديث صحيح أخرجه البخاري في ( المغازي - باب فضل من شهد بدرا ) ومسلم في ( فضائل الصحابة ، باب من فضائل أهل بدر ) عن سيدنا على رضي اللّه عنه .